Get Adobe Flash player

لن نتعرض في هذه الأسطر لتحديد مفهومي النخبة و الهوية كما تفعل عادة الدراسات الأكاديمية المعمقة، و إنما سنثير هنا مسائل ذات صلة بهذين الموضوعين، و يتعلق الأمر بسلوك و تصرفات بعض الشخصيات السياسية الموريتانية التي تتعاطى الشأن العام منذ عقود من الزمن،

بما يجعل تصرفاتها تحسب عليها سلبا أو إيجابا، والموضوع محل الحديث يتعلق بمسألة في غاية الخطورة والحساسية في نفس الوقت، وهي هوية موريتانيا، الأمر الذي يجعلها محل اهتمام وعناية من طرف كافة أبناء البلد والطبقة المثقفة بشكل خاص والسياسيين منهم بالذات، لتعاطيهم الشأن العام ولما يتوفرون عليه من الوعي .

 

كنا نعتقد في السنوات الماضية أن مسألة هوية موريتانيا قد حسم أمرها، انطلاقا من دستور 20 يوليو1991 الذي نص على أن موريتانيا بلد عربي إسلامي إفريقي ولغته الرسمية هي اللغة العربية، وهذه هي العناصر المشكلة فعلا للشخصية الموريتانية تاريخيا وواقعيا. وإن الانتماء العربي لموريتانيا لا يتعارض بأي حال من الأحوال مع أي من هذه العناصر أي الانتماء الإسلامي والإفريقي، وتنوعها العرقي ينبغي أن يكون عامل إثراء و ليس عاملا للتفرقة أو حاجزا دون أن تكون لها هوية محددة . وقد كان الحديث في الأوساط الثقافية والسياسية في العقد الأخير منصبا على الأزمات الأخرى التي تعيشها موريتانيا، ويأتي على رأسها أزمة القيم العميقة، وهي الأزمة التي تؤثر على الأزمات الأخرى بدرجات متفاوتة، وإن كان انعكاسها على الهوية سيكون أكثر عمقا، لأن شعبا لا قيم له لن تكون له هوية محددة .

لكن تصرفات بعض القادة السياسيين أعادت طرح موضوع الهوية من جديد، وأظهرت لنا أن هذا الموضوع لم يحسم بعد كما تصورنا في السابق، وقد بدا ذلك واضحا من خلال برنامج التلفزة الوطنية الأسبوعي "الإجماع الوطني"، حيث قام كل من شارك من هؤلاء الساسة في الحلقات الأولى من البرنامج، بتدوين ملاحظاتهم وخواطرهم باللغة الفرنسية في

"السجل الذهبي" للبرنامج وكأن اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية لهؤلاء أو للشعب الذي يتحدثون باسمه ؟

بينما كان من المفروض على هؤلاء الضيوف تسجيل خواطرهم باللغة العربية : بوصفها هي اللغة الرسمية للبلد، وباعتبار كذلك أن "السجل الذهبي" للبرنامج، يعد وثيقة رسمية وفي قناة رسمية تعود ملكيتها للدولة الموريتانية، ولكني لا أحمل الجميع مسؤولية لا يمكن أن يتحملوها أو هم غير مؤهلين لتحملها؟

و لذا أعتقد أن تصرف اثنين من هؤلاء غير مقبول وغير مفهوم، بل يثير الدهشة والاستغراب - لأسباب و اعتبارات سأفصلها فيما بعد - وهما على التوالي رئيس حزب الجبهة الشعبية ورئيس حزب التجديد الديمقراطي .  

أما الأسباب فهي :

  1. 1- أن الرجلين ينتميان إلى عائلتين عريقتين في انتمائهما الإسلامي و العربي.
  2. 2- أن الرجلين يمتلكان من الثقافة والخبرة مما يجعلهما على وعي بما يقومان به من تصرفات، فرئيس الجبهة الشعبية مرشح سابق لرئاسة الجمهورية ويستعد حسب ما صرح به للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، في حين أن تجربة رئيس حزب التجديد الديمقراطي في العمل السياسي تساوي عمر الدولة الموريتانية، وقد يكون مرشحا محتملا في الانتخابات الرئاسية القادمة.
  3. 3- أن من يتعاطى الشأن العام وخاصة الحقل السياسي، ينبغي أن تكون تصرفاته محسوبة بدقة، مما يجعله ملزما باحترام ما هو مشترك بين أبناء وطنه، فما بالك إذا تعلق الأمر بالهوية.

أما الاعتبارات التي تجعلنا نندهش ونستغرب من تصرفات هؤلاء الساسة فهي:

  1. 1- أن الجميع مطالب باحترام القانون مهما كان موقعه على سلم المدونة القانونية، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بالدستور الذي هو القانون الأسمى في الدولة . ودستور 20 يوليو 1991 الذي صادق عليه الشعب الموريتاني بالإجماع، ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لموريتانيا، مما يفرض استخدامها في كافة المناسبات وخاصة الرسمية منها، الأمر الذي يحتم على الجميع احترام ذلك والالتزام به، وبالذات الشخصيات السياسية، التي تمثل القدوة لعامة الشعب . وهنا نتساءل عما إذا كان الأمر من باب مغايرة المجتمع الموريتاني لكل شعوب الأرض، أم أن الأمر يتعدى ذلك إلى إحساس ساستنا بانتمائهم للغة الاستعمار أكثر من انتمائهم للغة الوطن، لغة الآباء والأجداد ؟
  2. 2- أن رجل السياسية عندما يتكلم فمن المفروض أن يتكلم اللغة التي يفهمها الجميع لإبلاغ رسالته السياسية، لأنها موجهة لكافة الشعب، وخاصة إذا انطلقنا من الحقائق التالية : أن نسبة الأمية تصل في موريتانيا إلى 64% -عكس الإحصائيات التي كان النظام السابق يقدمها "في إطار حملة العلم والمعرفة"- و أن الأغلبية من النسبة الباقية، ذات تعليم محظري، وحتى الذين تعلموا في المدارس النظامية وتحصلوا على تعليم جامعي ليسوا كلهم على دراية باللغة الفرنسية، مما يعني أن خطاب هؤلاء الساسة موجه لشعب غير الشعب الموريتاني، لعله موجه لمواطني "إقليم كبك" أو لمواطني "جزر الرأس الأخضر" لست أدري ؟
  3. 3

أ- أن لغة العالم اليوم – إن صحت العبارة - هي اللغة الإنكليزية وليست اللغة الفرنسية، فنسبة 85% من المعلومات المتداولة على الشبكة الدولية للمعلومات "الإنترنت" باللغة الإنكليزية، "لغة الثورة الرقمية" .

ب- أن الكثير من الخبراء الفرنسيين اليوم يتحدثون عن ما تواجهه اللغة الفرنسية من تحديات في عقر دارها بسبب اللغة الإنكليزية، و يعترفون أنها تشهد تراجعا مستمرا في مواجهة اللغة الإنكليزية على مستوى العالم، وخير دليل على ذلك أن 15 مليون شاب فرنسي يقطعون "المانش" سنويا لتعلم اللغة الإنكليزية في بريطانيا، وهذه إحصائية فرنسية .

  1. 4– انطلاقا من المعطيات الإستراتيجية سيكون وضع اللغة العربية أفضل في المستقبل من وضع اللغة الفرنسية، لأن تخلف اللغة العربية الراهن في مجال العلوم ليس عيبا في بنيتها وإنما هو عائد إلى تخلف العرب الحالي، واستمرار التخلف ليس قدرا محتوما على العرب، كما أن تمسك 300مليون - وهو عدد سكان الوطن العربي – باللغة العربية هو تمسك بالذات وبالهوية، و ليس موقفا سياسيا كما هي حال "السياسة الافرانكفونية"، التي تنفذها فرنسا منذ عقود من الزمن دفاعا عن اللغة الفرنسية من خلال منظمة "الإفرانكفوتية"، التي هي نشاط سياسي قبل أن يكون نشاطا ثقافيا، وهو النشاط الذي وصفه المفكر المغربي مهدي المنجرة بأنه: (نوع من الدعارة الثقافية) بالإضافة إلى أن هناك مليار و 300مليون مسلم ينتمون حضاريا وروحيا إلى اللغة العربية بوصفها لغة الإسلام، وهو ما يزيد من وزنها على المستوى العالمي .
  2. 5- لقد توصل خبراء المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو"، منذ فترة إلى أن الشعوب لا يمكن أن تتطور أو تبدع إلا من خلال لغتها وثقافتها الأصلية، الأمر الذي يفرض على الشعوب التي تهتم بالمستقبل التركيز على تطوير لغتها، ويمكن اعتبار كل من التجربة الصينية و الهندية دليلا على ذلك، فكل منهما يعاني من تعدد عرقي ولغوي وديني، لكن ذلك لم يمنعهما من استخدام لغة الأكثرية كلغة وطنية، فالصين أصبحت قوة عظمى، و تتجه إلى أن تكون من ضمن الأقطاب المهيمنة في العلاقات الدولية في المستقبل القريب، والهند بدورها تعيش نهضة علمية كبيرة استطاعت من خلالها أن تزود الولايات المتحدة الأمريكية سنويا بمعدل 3/1 من خبراء المعلوماتية العاملين على أراضيها.
  3. 6- لا نتمنى أن يكون سلوك هؤلاء الساسة من باب الشعور بالهزيمة حضاريا، الذي يؤدي بالمرء إلى تبخيس الذات

والتعلق بالآخر، الذي قال فيه العلامة عبد الرحمن بن خلدون :

(إن المغلوب مولع بتقليد الغالب) لأننا لا نعتقد أن قادة سياسيين يشعرون بالهزيمة الداخلية، يمكن أن يعول عليهم في النهوض بالواقع الموريتاني الصعب، أو بناء موريتانيا المستقبل .

  1. 7- كما أننا نخاف أن يفهم أن تصرفات هؤلاء القادة السياسيين، جاء تبنيا لموقف السفير الفرنسي في موريتانيا "باتريك نيكولوزو" الذي صرح به في مقابلة مع جريدة "الصحيفة" في عددها رقم 117 بتاريخ 14/ 3/2005، الذي قال فيه : ( إن إصلاح التعليم في موريتانيا مهم جدا بالنسبة لفرنسا، لأنه يتيح تطوير اللغة الفرنسية كلغة توحيد للمجتمع الموريتاني متعدد الأعراق....) .

من المفهوم جدا أن يتعلق السفير الفرنسي بلغته و لغة بلاده ونحن نحييه على وطنيته، لكننا في المقابل لا يمكن أن نفهم تعلق ساستنا باللغة الفرنسية، إلا إذا كانوا يشاطرونه الرأي، في أن اللغة الفرنسية عامل توحيد للشعب الموريتاني ؟ .

ومهما كانت مواقف ساستنا من اللغة الفرنسية، فإن قول السفير الفرنسي يكذبه تاريخ بلاد شنقيط، فكل الموروث الثقافي والحضاري الذي تركه لنا أجدادنا الشناقطة كان باللغة العربية، ويستوي في هذا الأمر العرب والهالوبلار والسنونكي والولف، لأن الشعب الموريتاني والشناقطة من قبله ليست لهم من ثقافة عالمة

ولا تراث إنساني غير الثقافة العربية والتراث الإسلامي، وهذا الموروث الثقافي يمثل مشتركا ثقافيا بين مكونات الشعب الموريتاني بمختلف أعراقه وانتماءاته المتعددة، فكل موريتاني اليوم مهما كانت أصوله العرقية أو موقفه السياسي، يشعر بانتمائه إلى حضارة شنقيط، وإذا نزعنا عن هذه الحضارة المكون الثقافي العربي الإسلامي، تصبح بدون محتوي ذي مغزى.

كما أن انسلاخنا عن هذا الماضي الحضاري المشع ، يجعلنا بلا ماض، ومن لا ماضي له لا حاضر له و من لا حاضر له لا مستقبل له .

ذلك أن التاريخ الحي في الشعور الإنساني هو الثقافة والوعاء الذي يحمل أي ثقافة هو اللغة، و النتيجة المنطقية لذلك، أن من لا يمتلك لغة لا يمتلك ثقافة .

و بالعودة إلى كلام السفير الفرنسي وقوله : ( إن اللغة الفرنسية عامل توحيد للموريتانيين ) نجد أن هذا القول يكذبه التاريخ المعاصر لموريتانيا، حيث كانت اللغة الفرنسية واستخدامها في التعليم والإدارة، مصدر شقاق و خلاف بين الموريتانيين و ليست مصدر توحيد أو وفاق، بداية من أحداث 1966 و إلى يومينا هذا، والعكس هو الصحيح، حيث تشير حقائق التاريخ والواقع إلى أن اللغة العربية هي عنصر توحيد و تلاحم بين كافة أفراد المجتمع الموريتاني، لأن كل الموريتانيين يدينون بدين الإسلام، واللغة العربية هي لغة الإسلام التي نزل بها القرآن الكريم، والإنسان المسلم مضطر إلى أن يتحدث اللغة العربية خمسة مرات في اليوم على الأقل من خلال الصلوات الخمس، لأن الصلاة هي عماد الدين، ولا صلاة بدون فاتحة الكتاب، والفاتحة في الصلاة : (على قول جمهور العلماء ما عدا الأحناف لا تجزؤ) أي لا تصح إلا باللغة العربية.

  1. 8– لعل تبني هؤلاء القادة السياسيين للغة الفرنسية هو من باب تعاطفهم مع بعض أبناء وطننا، الذين يعتبرون أن اللغة الفرنسية هي لغتهم الوطنية، ليس حبا منهم للغة الفرنسية في ذاتها، ولكنه شعور منهم بالانتماء إلى بعض دول إفريقيا الغربية، التي نصت في دساتيرها على أن اللغة الفرنسية هي لغتها الرسمية، على حساب انتمائهم إلى موريتانيا.
  2. 9– لعلنا نفهم تعلق قادتنا السياسيين بلغة الاستعمار، اعترافا منهم بالجميل لهذا الاستعمار، لما تركه لنا من "منجزات عملاقة" تتمثل في :

أ - 6 كلم من الطرق المعبدة .

ب - 4 أطر من حملة شهادة الليسانس .

ج - 40 طالبا من حملة شهادة الباكلوريا .

د - ميناء قيد الإنجاز لتصدير خامات الحديد لخدمة الاقتصاد الفرنسي .

ه – حكومة تحت خيمة.

وهي فعلا "منجزات عملاقة" إذا قارنها مع ما تركه الاستعمار الفرنسي لكل من الجزائر والسنغال لكي لا نذهب بعيدا ؟؟؟.

و نشير هنا إلى أنه لا ينبغي للقارئ أن يفهم من كلامنا أننا ضد اللغات الأجنبية، بل أننا مع تعلم اللغات الأجنبية، بوصفها عامل انفتاح ووسيلة لتوطين التكنولوجيات الجديدة، ولكن الذي يحقق ذلك في الوقت الحاضر ليس اللغة الفرنسية، وإنما اللغة الإنكليزية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، كما أن تعلم اللغات الأجنبية، لا ينبغي أن يكون على حساب لغتنا العربية أو على حساب هويتنا وشخصيتنا الحضارية .

وفي الأخير أقدم للقارئ الكريم بعض الوقائع للمقارنة:

  1. 1)الواقعة الأولى:

تتعلق بمناسبة حفل ضم مجموعة من المثقفين والسياسيين

والدبلوماسيين في أحد الأقطار العربية، وجاء الحديث عن تجربة "النمور الآسيوية" التي حققت تقدما مذهلا في كافة الميادين، فما كان من سفير دولة الكويت لشدة إعجابه بتجربة كوريا الجنوبية، إلا أن سأل السفير الكوري عن اللغة التي استخدمتها كوريا الجنوبية، والتي أوصلتها إلى هذه النتائج الباهرة، فاشتاط السفير الكوري الجنوبي غضبا، وهم بترك قاعة الاجتماع، ظانا أن سفير دولة الكويت قصد إهانته مكررا القول : (تعتقد أن كوريا الجنوبية ليس لها لغة وليست لها حضارة عريقة) لكن الجميع امسكوه وأفهموه أن سفير الكويت لا يقصد إهانته، وإنما كان سؤاله تعبيرا عن شدة انبهاره بالتجربة الكورية الجنوبية.

  1. 2- أما الواقعة الثانية:

فهي ما قام به أبناء كوسفو عند استقلالهم عن الاحتلال الصربي، حيث كانت أول خطوة قاموا بها هي إعادة اللغة الألبانية إلى جامعتهم، والتخلي عن اللغة الصربية لأن لغتهم هي رمز هويتهم وشخصيتهم الحضارية، واللغة الصربية بالنسبة لهم رمز للخضوع والتبعية.

3-               أما الواقعة الثالثة:

فهي ما قام به رئيس وزراء العدو الإسرائيلي الأسبق "شيمون بريز" عندما شارك في برنامج لإحدى القنوات الفرنسية، وفي نهاية البرنامج قدم له الصحفي "السجل الذهبي" للبرنامج ليدون فيه ملاحظاته، فكتب باللغة العبرية ولم يكتب باللغة الفرنسية، التي يعرفها جيدا ويعرف غيرها من اللغات الأوروبية، وهذا التصرف يدل على تمسك الإسرائيليين بلغتهم العبرية، ومن المعروف أنها من اللغات الميتة، لكنهم رغم ذلك تمسكوا بها، وقاموا بإحيائها وتحويلها إلى لغة للعلم والعمل، وكما يقال فإن الشعوب الذكية هي التي تستفيد من أعدائها.

فكل الأمم اليوم تعمل بكل إمكانيتها من أجل إحياء لغاتها وتطويرها، وجعلها لغة العلم والعمل، لأن اللغة هي المقوم الأساسي في شخصية الأمم، فالأمة التي لا لغة لها لا يمكن وصفها بأنها أمة، و إذا كان قادة السياسة والرأي هم من يتخلى عن لغة شعبهم وأمتهم، فمن يدافع عنها ؟؟؟ .

نحن اليوم في موريتانيا نحتاج إلى رجال دولة وليس إلى رجال سلطة، فالكثير من المصائب التي نتخبط فيها حاليا،تعود في جزء منها إلى أن أغلبية من حكمونا في العقود الماضية، كانوا رجال سلطة لا رجال دولة، ومن النوع الذي لا يملك همم الرجال، وهو الأمر الذي يجعلنا اليوم مطالبين كل من موقعه، بالبحث عن رجال دولة من بين من يتعاطون الشأن العام والحقل السياسي منه بصفة خاصة، وقد تكون تجربة رئيس الوزراء التركي الحالي "الطيب أردغان" –مهما كان اختلافنا مع بعض أطروحاته- نموذجا لرجل الدولة الذي نبحث عنه، حيث استطاع في سنوات قليلة أن يصالح تركيا مع ماضيها ويجعلها ناهضة في حاضرها ومتفائلة بمستقبلها، دون أن يتنازل عن هوية وشخصية تركيا الحضارية، فهو لا يتكلم إلا للغة التركية، كما قام بإعادة فرضها في الإدارة وفي التعليم، ولم يتعلل بأن الكثير من المتعلمين في تركيا يعرفون اللغة الإنكليزية أو أن تركيا تضم أقليات قومية، ينبغي أن نجاملها بترك اللغة التركية والتكلم باللغة الإنكليزية كلغة توحيد، كما استطاع أن يعيد للشعب التركي 75 مليار دولار كانت تنهب من ثرواته سنويا بفعل الفساد المالي والإداري، الذي كان سائدا في تركيا قبل تسلمه السلطة، وأن ينفق هذه المبالغ على المشاريع الاجتماعية، لتخفيف من حدة التفاوت الاجتماعي والطبقي .

 

 

 

د .ديدي ولد السالك/                  

 

باحث في مجال العلاقات الدولية.

     Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.