Get Adobe Flash player

didisaleck

د. ديدي السالك باحث وأستاذ جامعي.

 لا يحتاج المرء إلى وعي كبير أو اطلاع واسع على الأوضاع الدولية، ليكتشف أن موريتانيا من أكثر دول العالم في وضعها الراهن تخلفا، بل توجد في ذيل القائمة، وهو ما يتجلى في الأزمات العميقة المتعددة المظاهر والمتداخلة الأسباب والخلفيات،

لكن ذلك لا يعني بالضرورة انسداد الأفق أمام أبنائها لتغير أوضاعها إلى الأحسن والسير بها إلى مصاف الدول المتقدمة، إذا احسنوا استغلال الفرص المتاحة لهم احسن استغلال - لأن الفرص كما يقال لا تتكرر - وقد تكون الاستفادة من هذه الفرص المتاحة حاليا جد ميسورة، إذا توحدت إرادة الجميع لإنجاح المرحلة الانتقالية، بما يضمن لموريتانيا دخول نادى الدول الديمقراطية، وحصل بها الوعي الكافي عند من يتصدون للشأن العام من أبناء هذا البلد، وحاولوا الاستفادة من أخطاء الماضي، التي حصلت في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، التي ضيعتها الأنظمة المتعاقبة على السلطة في موريتانيا، في حين استغلتها أنظمة أخرى في العالم، استطاعت أن تخرج شعوبها من التخلف لتصبح شعوبا متقدمة، في حين بقينا نحن ندور في حلقة مفرغة من التخلف، بل تقهقرنا حضاريا باستمرار .

 

وتجربة العقود الماضية ودروسها المريرة، ينبغي أن تكون دافعا لنا من أجل العمل للمستقبل، والحرص على عدم تضييع الفرص الجديدة المتاحة، خاصة إذا كانت هذه الفرص المتاحة حاليا في متناولنا جميعا، والفرص التي أعني هي : وجود طريق يربطنا بالشمال المتقدم عبر المغرب ، واستغلال البترول مع ارتفاع أسعار المعادن في الأسواق الدولية بشكل كبير وإلغاء الديون الخارجية التي كانت تقيد السياسات الحكومية .

 

 أولا : وجود طريق يربطنا بالشمال المتقدم :

سيشكل الطريق الجديد الرابط بين انواكشوط وانواذييب شريانا مهما وحيويا للاقتصاد الوطني، كما سيمثل جسرا للتواصل مع الشمال المتقدم ممثلا في أوروبا بصفة عامة ومع المغرب العربي بصفة خاصة،

فوجود طريق يربطنا بالمغرب في الشمال أمر في غاية الأهمية، باعتبار أن هذه الطريق ستشكل نافذة مباشرة للاقتصاد الموريتاني على العالم، مما سيساعد في تطوير الأوضاع الموريتانية المتخلفة، لأن هذا الطريق سيربطنا بأوروبا عن طريق المغرب، الأمر الذي سيسهل من انتقال الأشخاص والتبادل التجاري ونقل البضائع، وما سيشكله ذلك من انفتاح على شعوب متقدمة واقتصاديات متطورة صناعيا، وهو ما سيساهم بدون شك في تحريك الأوضاع الموريتانية الراكدة، في جوانبها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن انقطاعنا عن هذا الشمال المتقدم، كان سببا من بين أسباب أخرى في استمرار تخلفنا، وقد ساهم في هذا الانقطاع بعض العوامل من بينها :

1 - عوامل الجغرافيا:

وهى أن أغلبية حدود موريتانيا مع شمال إفريقيا أي منطقة المغرب العربي، حدود جغرافية ميتة، عبارة عن صحاري قاحلة لا حياة فيها، الأمر الذي أدى إلى انقطاع التواصل البشري المكثف والمباشر مع المحيط المغاربي .

2 - أسباب سياسة :

وتمثلت تلك الأسباب السياسية في عرقلة المغرب لدخولنا إلى جامعة الدول العربية، لمطالبتها بموريتانيا بوصفها جزء لا يتجزأ من أراضيها تاريخيا، وهذه المطالبة أخرت انضمام موريتانيا إلى جامعة الدول العربية في بداية الأمر، مما جعل النظام السياسي الحاكم آنذاك في موريتانيا، يتجه جنوبا ساعيا إلى تعميق روابطه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مع جيرانه في غرب إفريقيا على حساب جيرانه في الشمال، وقد سهل من مهمته تلك، السياسة الفرنسية في المنطقة والإرث الاستعماري المشترك مع دول غرب إفريقيا، وما كاد هذا العامل يزول أو تخف حدته، حتى اندلع نزاع الصحراء الغربية، والذي ما يزال مستمرا بانعكاساته وتفاعلاته السلبية على علاقات الأقطار المغاربية بصفة عامة وعلاقات موريتانيا بكل من الجارين الكبريين، المغرب والجزائر بصفة خاصة .

3 - استمرار تخلف البنية التحية في موريتانيا :

إذا كان التواصل الاقتصادي المهم يتم بين مختلف دول العالم بواسطة الطرق البرية أو خطوط الملاحة البحرية والجوية، فإن التواصل عن طريق البر يبقي هو الأهم، في تعزيز العلاقات الاقتصادية والبشرية بين الشعوب، لتسهيله تنقل الأشخاص وتبادل البضائع . وغياب هذا التواصل البري، هو ما جعل موريتانيا تعيش شبه قطيعة مع محيطها المغاربي في الشمال .

وقد ساهم في استمرار هذه القطيعة والعزلة تخلف بنيتها التحتية وخاصة في مجال الطرق البرية المعبدة، فأول طريق معبدة تربط بين العاصمة السياسية والعاصمة الاقتصادية، هي موضوع حديثنا والتي بنهايتها ستكون موريتانيا مربوطة بريا بمحيطها المغاربي، وهو الربط الذي عن طريقه سترتبط بأوروبا، وما يعنيه ذلك من أهمية بالغة لموريتانيا، الأمر الذي يحتم استغلاله أحسن استغلال، بتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية مع الشمال المتقدم، بما يخدم تطوير الأوضاع الموريتانية، ويحقق غايات وأهداف التنمية، لا أن يترك هذا الطريق يستغل في التهريب الحدودي أو عبور الجريمة المنظمة أو أن يترك يحول موريتانيا، إلى منطقة لعبور الهجرة الإفريقية السرية إلى أوروبا .

ثانيا: ضرورة الاستفادة من استغلال النفط :

يكثر الحديث اليوم في الأوساط الموريتانية الرسمية والشعبية على حد السواء، عن بداية استغلال النفط بشيء من التفاؤل المفرط أحيانا، دون التفكير الجدي والمعمق في طرق تسير عائداته بشكل يضمن للشعب الموريتاني الاستفادة القصوى من هذه العائدات، كما يغيب عن هذه الأحاديث التفكير الجدي في المخاطر التي يجلبها استغلال النفط عادة، وكذلك الانعكاسات السلبية التي ستنجر عن استغلاله على الأوضاع الاجتماعية والبيئية في موريتانيا، وهي انعكاسات مؤكدة وستكون سلبية في اغلبها، إذا لم يتم التنبه لها مسبقا، والعمل بشكل واعي على تجنبها أو تحاشي انعكاساتها السلبية .

فنحن نعرف أن الريع المالي العائد من صادرات البترول، يمكن أن يكون نعمة على موريتانيا، إذا احسن استغلاله بأنفاق عائداته على مشاريع استراتيجية ومهمة لمستقبلها، وضمان تسيير هذه العائدات بشكل عقلاني يخدم أهداف التنمية القريبة والمتوسطة والبعيدة، كما يمكن أن يتحول هذا الريع إلى نقمة على الشعب الموريتاني وعلى الدولة الموريتانية، إذا تم استغلال ريعه بشكل غير صحيح، وخاصة في ظل الفساد المالي والإداري المستشري في البلد منذ عقدين من الزمن، والذي لا يلوح في الأفق طرق فعالة لمواجهته أو لمعالجة آثاره الخطيرة، التي جعلت موريتانيا في مؤخرة الدول الأكثر فقرا في العالم .

وخير دليل على المخاطر والسلبيات التي قد تنجر عن استغلال النفط تجربة بعض الدول العربية والإفريقية النفطية، حيث تحولت العائدات المالية للنفط إلى وبال عليها، باندلاع الحروب الأهلية فيها لأن الريع المالي للنفط، غذى الفساد المالي والإداري الموجود بهذه الدول أصلا، ولا يمكن أن نستثني في هذا المجال إلا تجربة بعض أقطار الخليجي العربي وبالذات التجربة الإماراتية .

حيث يعتبر على نطاق واسع أن العائدات المالية للنفط، هي السبب الرئيسي للحروب الأهلية التي عرفتها بعض الدول الإفريقية النفطية، والتي ما يزال بعضها مستمرا، هذا بالإضافة إلى التجربة الموريتانية المريرة مع استغلال الثروة المعدنية والثروة السمكية، التي تمت في العقود الماضية، والتي لم يستفد منها الشعب الموريتاني سوى تدمير قيمه الدينية والأخلاقية . الأمر الذي يجعلنا ننبه إلى أن استغلال النفط وعائداته المالية المنتظرة، ينبغي أن لا ينسينا المخاطر التي قد تنجر عن ذلك الاستغلال، في حالة استخدامه استخداما غير صحيح، كما ينبغي أن تذكرنا بضرورة الاهتمام بإصلاح قطاعي الثروة السمكية والثروة المعدنية، بما يضمن استفادة الشعب الموريتاني من هاتين الثروتين .

وإذا كنا لا نحتاج إلى تبيان غنى الشواطئ الموريتانية بالثروة السمكية وأهمية هذه الثروة للاقتصاد الوطني، فإن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة للثروة المعدنية، من حيث أهميتها للاقتصاد الوطني وضخامتها وتنوعها، فالثروة المعدنية ثروة ضخمة ومتنوعة، من حديد ونحاس وذهب وتربة نادرة، والعائدات التي يمكن تحصيلها من هذه الثروة في حال إصلاحها واستغلالها الاستغلال الأمثل، ستكون عائدات مالية كبيرة وبالذات الحديد منها، الذي ارتفعت أسعاره في السنوات الثلاثة الأخيرة إلى سبعة أضعاف في الأسواق الدولية، والذي لا يسمع عنه المواطن الموريتانية إلا عبر برامج التلفزة الوطنية المخلدة لعيد الاستقلال الوطني في 28 نوفمبر من كل عام. وهذه الثروة المعدنية الكبيرة و المتنوعة من بترول وحديد ونحاس وذهب وأحجار كريمة وغيرها .... إذا احسن استغلال عائداتها المالية بشكل صحيح يخدم أهداف التنمية الشاملة والمستدامة، فإن موريتانيا ستتحول خلال فترة قصيرة إلى بلد من أغنى بلدان العالم، في الوقت الذي تعتبر حاليا من أفقر دول العالم، كما أن عدم استغلال هذه الثروات بالشكل الصحيح، سيعود على البلد بالدمار، لما تشكله من عوامل لجذب التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية الموريتانية، وكذلك الصراع عليها من طرف القوى الفاعلة على الساحة الدولية، وما يمثله ذلك من مخاطر على الوضع الداخلي الهش في بنيته السياسية والاقتصادية وتعقيد تركيبته العرقية، هذا بالإضافة إلى إمكانية تحويل الريع المالي للنفط إلى "سلاح" مالي في يد "المافيا" - التي حكمت البلد خلال العشرين سنة الماضية - لتستخدمه في المزيد من الفساد والإفساد والتدمير، بوصف السيول المالية الزائدة في بلد تغيب فيه الرقابة المالية والشفافية في تسيير الشأن العام، تتحول في الغالب إلى أداة هدم و تدمير وليس أداة بناء وتعمير.

فتجربة قطاع الصيد واستغلال الثروة السمكية خلال العقود الماضية، يعتبر خير دليل على المخاوف التي نتحدث عنها، حيث تم استنزاف هذه الثروة الكبيرة من طرف الأجانب بواسطة شركاء موريتانيين، كما تم استخدام بقية تلك الثروة، في نشر الفساد المالي والإداري وتدمير الأخلاق في موريتانيا، من طرف المتدخلين الخواص الموريتانيين، وهو ما يعني ضرورة العناية بقطاع النفط الجديد، من حيث التخطيط الواعي للمشاريع التي تستهدف هذا القطاع الحيوي لمستقبل التنمية في موريتانيا، والتسيير الدقيق لعائداته المالية، لكي لا يتكرر مع النفط ما حصل من نهب وتفريط في كل من الثروة المعدنية والثروة السمكية، فما حصل مع هاتين الثروتين، ينبغي أن يكون عبرة لكل الموريتانيين في المستقبل، لأن الشعوب التي لا تستفيد من دروس الماضي لا يمكن أن تنهض .

ثالثا: فرصة إلغاء الديون الخارجية :

لقد استفادت موريتانيا في الفترة الأخيرة من مبادرة مجموعة الثمانية

والقاضية بإلغاء ديون 18 دولة من بين مجموعة "الدول الفقيرة الأكثر مديونية" في العالم، وقد صادقت مؤسسات التمويل الدولي الرئيسية على القرار أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .

وتكمن أهمية هذا القرار في كونه يخلص موريتانيا من عبئ المديونية الخارجية الثقيلة، التي ترهق الميزانية الوطنية الفقيرة أصلا، كما أن هذه الديون الخارجية الضخمة، تقيد من إرادة الحكومة السياسية وتشكل مصدرا للتدخل في سياساتها الاجتماعية المختلفة، بوصف المديونية الخارجية أداة للضغط على دول الجنوب عموما والدول الفقيرة خصوصا، للتخلي عن سياساتها التنموية وخاصة في أبعادها الاجتماعية، وهي السياسات التي جرت على هذه الدول كوارث اقتصادية وأزمات اجتماعية خانقة، وهذه هي الوضعية التي تعيشها موريتانيا حاليا، والتي تعود في جزء منها إلى السياسات التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولي في العقديين الماضيين، والتي كانت من أبرز نتائجها دخول موريتانيا في مجموعة "الدول الفقيرة الأكثر مديونية"، ونتائج اجتماعية كارثية، من أبرز ملامحها تحول الجزء الأكبر من السكان الموريتانيين إلى الفقر المدقع، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن حوالي 74% من السكان في موريتانيا يعيشون في الوقت الراهن تحت خط الفقر وفقا للمقاييس العالمية للفقر. وهو ما يعني أن تخلصها من المديونية الخارجية، التي كانت تفرض عليها في الكثير من الأحيان، التخلي عن السياسات ذات الطابع الاجتماعي، ويوجب عليها اتباع سياسات أخرى وفقا لوصفات مؤسسات التمويل الدولي، سيجعلها قادرة على رسم السياسات التي تتماشى مع أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وكذلك الحرية في تحديد السياسات التي تخدم أهداف التنمية المستدامة، بما يتوافق مع الخصوصية الموريتانية وتعقيداتها الاجتماعية والثقافية، كما يحرر جزءا هاما من عائداتها من العملة الصعبة، التي كانت تدفع في خدمة الدين الخارجي، لتحويلها إلى الإنفاق على مشاريع التنمية بصفة عامة والمشاريع ذات الطابع الاجتماعي بصفة خاصة.

هذه بعض الفرص المتاحة الآن لموريتانيا والموريتانيين، والتي قد يشكل الوعي بها من قبل النخب المثقفة والفاعلين السياسيين دافعا للعمل من أجل إنجاح المرحلة الانتقالية، ودافعا كذلك للمحافظة على هذه الثروات الثمينة، بوصفها ملكا لكل الشعب الموريتاني، لا ينبغي تضييعها أو التفريط فيها، وكذلك العمل من أجل استغلالها الاستغلال الأمثل لخدمة أهداف التنمية، وباعتبارها كذلك فرصة لإخراج الشعب الموريتاني من حالة الفاقة والفقر والعجز إلى حالة التقدم والرفاهية، وإخراجها نهائيا من الصورة التي تجعلها محل شفقة الأخ والصديق وتندر وتشفي العدو.