Get Adobe Flash player

د. محمد المختار ولد مليل-   أستاذ جامعي

 

المشاركة في ما يوصف بنقاش يفتقر إلى العلمية بل والحد الأدنى من الإنصاف واحترام عقول المتلقين، كان يبدو لي نوعا من المساهمة في تزييف الوعي وتضليل الرأي العام، وربما النزول إلى مستوى أشخاص لا ترضى به لنفسك ليس إلا..

إلا أن العناوين الأخيرة وبعض التدخلات من شخصيات بعينها كانت حقا مستفزا، لا لجدة ما تطرحه أو جدية المقاربات التي تناولتها، وإنما لحجم المغالطات وإطلاق العنان للألفاظ والانفعالات الخارجة على السياق وفي أكثر الأحيان غير المسؤولة، فضلا عن نوعية بعض تلك الشخصيات التي طالما قدمت نفسها صاحبة مشروع للمجتمع والدولة،

 

 

التي نريد جميعا العيش فيها دون حيف أو ظلم، ونريد لها أن تكون دولة المؤسسات والحق والعدل، كشرط للوفاء لمتطلبات الحداثة والتنمية.

 

فهذه العناوين أخفت وراءها مسائل في منتهى الخطورة كعلاقة الدولة بمواطنيها، وأسس هوية الدولة، وعلاقة ذلك بهوية الجماعة، اللغة والحضارة، المجتمع تكوينه وتاريخه، صيرورة الحضارة وكينونة المستقبل، علاقة الأكثرية بالأقليات، حدود الاختلاف والتجانس، الحقوق القومية للأقليات وهوية الأكثرية، الاستقلال والتبعية، كلها قضايا أثيرت وتثار وستظل تثار ما لم تحسم الدولة هويتها على الأسس المتعارف عليها بمختلف أرجاء المعمورة، وتحسم النخب مشاريعها للدولة الوطنية وفق مرجعيات واضحة لا تحتمل المقايضة لا مع الواقع أو مع الآخر.

 

أما أن يشتم النائب جميل العرب ويعتبرهم نكرة فذلك لا يعتبر ذلك نجاحا أو شجاعة، ولا قوة حجة، وذلك لا يغير من التاريخ شيئا ولا المعطيات الثقافية الماثلة في الواقع، فلا أحد يجادل اليوم له عقل مدى سطوة الحركة الصهيونية وما تحظى به من دعم من أكبر قوى العالم ـ إعلاميا وثقافيا وماديا ـ بيد أنها لم ولن تستطيع تزوير التاريخ أو أن تطمس المعطيات الاجتماعية والثقافية والحضارية للعرب الفلسطينيين، كما أنه في عرف المنصفين لا يعدو هذا الشتم والتطاول كونه شعوبية حاقدة أو عنصرية جاهلة، وفي كل الأحوال فإن ذلك لا يستحق المناقشة أيا كانت المرجعيات التي يتستر وراءها.

 

بيد أن ذلك لا يمنعنا أن نتناول هذه الرؤية الحائرة وهل استطاع أصحابها، خاصة الذين يتعمدون خلط المعطيات والتنكر للواقع والهروب حتى من مرجعياتهم المعلنة وربما المتناقضة، أن يقدموا الجديد حول مقاربات هوية الدولة ومشروع المجتمع المتعايش، والحقوق القومية للمكونات المختلفة ـ سواء أقليات أو أكثرية ـ والاستقلال والتبعية. وهل خلال هذا الضجيج الإعلامي خرجوا بإجابات أو استنتاجات جديدة على الأسئلة القديمة؟ أو ربما أحرى بنا أن نسأل هل ما طرح، طرح من زوايا جديدة أو برؤية جديدة؟

 

ربما يكون الرد على هذه الأسئلة من باب المقاربة النظرية التي تنكب لها أصحبنا والتي لا تفيد كثيرا في كشف حقيقة هؤلاء وخلفياتهم وغاياتهم، خاصة إذا ما عرفنا بداية لماذا الهدف من مناقشة من هذا النوع بالشكل الذي مر علينا، ونوعية الأسئلة الخطأ التي طرحوها. فالسعي لطرح السؤال الخطأ مكنهم التستر على حقيقة العناوين المثارة وجدية الأجوبة التي ننتظرها، وبالتالي تفادي تقديم مقاربات موضوعية لقضايا إشكالية حقيقية، بات من الخطر والخطأ تجاهلها. فالقضية المطروحة كبيرة في مواجهة تحديات عميقة الجذور ومتداخلة كثيرا، لا يجدي معها المراوغة ولا حسن التخلص في اللفظ، ولا الهروب إلى الأمام، ولا الافتراء على الآخر أو, حتى على الواقع، ولا ادعاء وسطيات منكرات، ولا توفيقات استعراضيات، ولا إرهاب في القول وادعاء في السياسة تكذبه شواهد الواقع وصراحة القول.

 

ولا ينبغي لها أن تكون من قبيل التلاعب بالألفاظ لأنها قضايا من نوع تحديات التحديث والتنمية، تحديات الاستقلال، تحديات النهوض، تحديات التقدم، بل تحديات تأكيد الذات، تحديات الوحدة، وأول ما في هذه التحديات من علامات استفهام مثارة هو أي استقلال؟ وأي نهوض؟ وأية وحدة؟ وأية ذات؟

 

وهو ما لم تجب عليه وسطيات النائب جميل المزيفة، ولا وحدات النائب بدر الدين الممركسة، مما جعلني أقف حائرا أكثر من مرة أسأل نفسي ما جدوائية مناقشة هؤلاء الذين ما زالوا في القرن الواحد والعشرين يجادلون في ما استقر عليه الفكر البشري في قضايا التكوين التاريخي لمفاهيم الأمة، القومية، الوطنية، الدولة، والعلاقة فيما بينها، و استقلالية هذه المفاهيم واختلافها عن مفاهيم أخرى في الفكر السياسي والحقوقي العالمي من قبيل العنصرية، الفاشية، التعدد العرقي، الحقوق القومية...

 

وبداهة ذلك مستساغة أيضا من الوقفات التي وقفوها عند بعض هذه المفاهيم، فلم تكن مما يمكن أن تستمد منه العناصر التي يمكن أن تفيدنا في فهم التكوين التاريخي لهذه المصطلحات السياسية الاجتماعية، وهو أبعد ما يكون بالوصول بنا إلى مخارج ولو ابراكماتية لقضايا ماثلة في الواقع تجاوزها، لا تجاهلها، بنجاح بات المدخل لبناء مشروع الدولة الحديثة وتفكيك أسئلة المستقبل الحائرة.

 

وهنا يبدو القاسم المشترك عند هؤلاء هو التحريض على العرب كجماعة قومية، لا يفهم تبرير لذلك عندهم إلا لكونها الأكثرية في البلاد، كما يتضح عندما تتم الدعوة الصريحة لهذه الأكثرية بالاختيار بين مطالبتها بحقوقها القومية المشروعة (الثقافية والسياسية والاقتصادية) والتعايش السلمي مع أبناء القوميات الأخرى، وأن يكون ذلك على أساس حماية مصالح الأجنبي ورؤيته الثقافية للدولة حديثة الاستقلال عنه، ضمن تصور قائم على ثنائيات متضادة من قبيل:

 

- "الاعتراف بهوية الدولة خطر على الأقليات".

 

- "الحديث عن أكثرية قومية يجهض فكرة التعدد العرقي".

 

- "المطالبة بجعل اللغة العربية لغة الإدارة والعمل يعني الإقصاء والتهميش لأبناء القوميات الزنجية".

 

- "الاعتراف بحقوق الأقليات لا يرتب بالضرورة الاعتراف بحقوق الأكثرية القومية".

 

- "الوحدة الوطنية تعني بالضرورة تنازل الأكثرية عن هويتها".

 

- "التعايش السلمي بين المكونات الوطنية لا يتم إلا بوجود لغة أجنبية لضمان التواصل".

 

وهنا نحتار في منطق هؤلاء القائم على بناء التناقضات وإثارتها، رغم ما يعلنون من دعوة للتعايش، فهم مدافعون شرسون وقوميون متطرفون عن التعدد القومي وما ينجر عن ذلك من حقوق شريطة أن لا يكون ذلك دفاعا عن حقوق الأغلبية العربية، وهم ضد الإقصاء والتهميش في الإدارة والولوج إلى سوق العمل وبالتالي لا بد من الدفاع عن الفرنسة لأن هناك العشرات أو المئات لا يستطيعون العمل إلا بها، ولكنهم ليسوا ضد إقصاء وتهميش عشرات الآلاف من الذين لا يستطيعون العمل إلا باللغة العربية، والمطالبة بإنصافهم عندئذ تصبح عنصرية وإقصاء وتهديدا للوحدة الوطنية!، هم مع دولة المؤسسات وحماية المؤسسات الدستورية واحترام الدستور والقوانين ولكنهم ضد نص الدستور عندما يقرر أن اللغة الرسمية للدولة اللغة العربية، والمطالبة عندهم باحترام الدستور وتطبيق نصوصه الصريحة هو عصبية وإثارة للفتنة، واللغة العربية لغة مقدسة، فهي لغة القرآن وواجب شرعا الدفاع عنها، ولكنها عندما تكون لغة الأغلبية العربية في البلاد فهي دعوة جاهلية وعنصرية مقيتة، ومن الأفضل استبدالها بلغة قوم آخرين ولا ضير إن كانوا مختلفين في الدين معنا!!!..

 

فهذه الخلفيات التي أوضحها أصحابها قبل الآخرين لم يعد الإنسان العادي بحاجة إلى من يرشده لدلالاتها ومقاصدها، ولا لتهافت منطقها، ورغم ذلك فسأتوقف عند مفهوم واحد من المفاهيم التي يتلاعب بها هؤلاء بدون حياء، لا من دين ولا من علم ولا من أخلاق ولا منطق، فهم مستعدون للافتراء على ذلك كله حتى ولو كان الهدف من ذلك خداع البعض إلى حين والتحريض على الخصوم السياسيين للنيل منهم ولو بدون أدنى منطق. وسنكتفي أولا وأخيرا بالمرجعية الدينية القرآنية كمصدر أول لهذا المصطلح الاجتماعي السياسي، التي مورست على أساسه الحياة في أول دولة قامت وتعايشت فيها القومية مع الإسلام، وما هي دلالة هذا المصطلح وفق هذه المرجعية، وكما قدمتها مختلف الدراسات العلمية الموثقة.

 

فالمادة اللغوية للقومية هي: ق و م

 

وما هو واضح أن الفعل الثلاثي من هذه المادة حسب اللغويين قام، والرباعي أقام ومن قام "تأتي معاني الثبات والاستقرار في المكان"، ومن ذلك المشتقات: قائم، وقائمة، بمعنى "الركيزة التي يقوم الشيء مرتكزا عليها". والجمع: قوائم أي"ركائز تثبت الشيء وتقره في المكان". ومقام مصدر ميمي واسم مكان من المادة، يعني أيضا الاستقرار في المكان، كالقول "مقام ابراهيم"، وجاء في القرآن الكريم: "يا أهل يثرب لا مقام لكم" أما الفعل الرباعي فلا "يستخدم في غير الارتباط بالمكان" فأقام ومقيم، ومحل الإقامة، وما إلى ذلك من المشتقات إنما تشير إلى الارتباط الأكيد بالمكان. والقوم هم: "الجماعة التي ترتبط بمكان ما، وتقيم فيه "، فالمكان رباط قوي يجعل من الجماعة قوم، ولكنه ليس الرباط الوحيد، فإلى جانبه رباط قوي آخر هو اللسان بمعنى "اللغة"، والذي يدلنا على هذا الرباط هو القرآن الكريم المقدم عندنا كمسلمين على غيره، يقول تعالي: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم". وقال أيضا: "فإنما يسرناه بلسانك". وقال أيضا: "وهذا كتاب مصدق لسان عربي".

 

واللغة التي هي الرباط الذي يربط الجماعة البشرية، ويجعل منها قوما، ليست إلا الوعاء الثقافي للقوم، لا من حيث أنها الأداة التي يستقر فيها معاني الكتب المقدسة، أو الأقوال الموحى بها، في أذهان القوم فقط، وإنما من حيث أنها الشيء الذي يشتمل على التراث الثقافي الذي صنفه السلف، والأدوات الثقافية التي يمارس بها المعاصرون الحياة، ثم ما يمكن أن يضيفه إليها من يبحثون في ما بعد من الخلف.

 

وتأسيسا على هذا، ذهب مختلف الباحثين إلى أن القومية مأخوذة من هذا الجذر الذي يعني الجماعة، وأن القوم الذين يربطهم مكان واحد هو الأرض التي يستقرون فيها، ويمارسون عليها حياتهم بثقافة واحدة مهما تنوعت وتعددت مصادر تكوينها، ويخلصون إلى أن اللغة والأرض مقومان أصيلان في القومية. وبالتالي لا يجدون خلافا بتعريف القومية بأنها "مجموعة من الروابط الثقافية الناجمة عن تعايش مجموعة بشرية في مكان واحد، ولها تاريخ واحد، ومصالح مشتركة". هذا هو المفهوم الموضوعي والحيادي للقومية على مستوى التفكير والتنظير، وهو مرجعية القوميين في الممارسة السياسية بلا جدال ولا خلاف.

 

وهو المفهوم نفسه الذي بنت عليه المواثيق الدولية رؤيتها لتقنين وحماية الحقوق القومية لمختلف الشعوب والأقوام، وعلى رأس هذه الحقوق، الحقوق الثقافية التي أساسها ووعاؤها اللغة. وعليه من يتنكر لهذه الحقوق أو يتطاول عليها أو يرفضها أو يشكك فيها أو يسئ لها أو يسعى لطمسها، تحت أية ذريعة هو العنصري حسب المواثيق الدولية، فضلا عن التحديدات المستقرة في الفكر السياسي والفلسفي.

 

فمن هو إذن العنصري في واقعنا الراهن؟ الذين يرفضون حقوق المجموعة العربية في موريتانيا ويتطاولون عليها، أيا كانت الحجج والتبريرات، والمغلوطة في الغالب، من أمثال النائب جميل والنائب بدر الدين، أم التيار القومي العربي الذي ما فتئ يقر بالتعدد القومي ويطالب جهارا نهارا باعتراف الجميع بهذا التعدد وبإجابيته وما يترتب على ذلك من حقوق دون تجاهل لا لأقلية أو أكثرية، أساس ذلك المواطنة الكاملة التي لا منة لأحد فيها على أحد، والهوية الجامعة للدولة