Get Adobe Flash player

د/ محمدو ولد محمد المختار - باحث وأستاذ جامعي

لعل محاولة الإجابة عن سؤال هذه الندوة "ما ذا نريد لموريتانيا في هذه المرحلة ؟ أو أية موريتانيا نريد في المرحلة القادمة،

 

لا بد أن ينطلق أولا من الحديث عما اعتبرها سمات عامة للمرحلة الراهنة سواء على المستوى الإقليمي وتحديدا العربي أو على المستوى الوطني

حيث تختص قضيتا الحوار والإصلاح ( الإصلاح السياسي تحديد ) باهتمام المنظمين والمدعوين للحديث هنا بصفاتهم السياسية .

 

ولكن قبل ذلك أسمحو لي أن أنبه إلى أن الإجابة عن السؤال المطروح ربما تقتضي مني في هذا المقام ، حيث توجد معي فوق هذه المنصة وجوه سياسة بارزة معنية بحكم دورها ومكانتها السياسية بالخوض والبحث فيما هو متعلق بقضايا الحوار وربما الإصلاح في الظرف الراهن أو الآني، وأن أكد أنني لن أتجاوز هنا صفتي كباحث في العلوم السياسي والقانونية عليه أن لا يشتغل كثيرا بالمواقف السياسية الآنية للقوى والأحزاب السياسية القائمة - خاصة في حضورها - قدر اشتغاله بموضوعات البحث والتأمل في الوضع العام للبلد، انطلاقا في ذلك من الحاضر واستشرافا للمستقبل ، حيث عشرات الآلاف من الشباب العاطل والحائر والمحبط ومئات الآلاف من بسطاء الناس يتقاسمون فقدان الأمل في مستقبل أفضل لهذه البلد بسبب حالة التردي والارتكاس والمستمرين في وضعه العام .

وحيث باتت الشعارات المتكررة - مهما اختلفت الوجوه والمسميات ومهما حسنت النوايا - عن الخلاص والإنقاذ والإصلاح والتصحيح وقبول الحوار مجرد شعارات سياسية فارغة لا تعكس شيئا أكثر من مجرد حدود القطيعة الكبيرة والبون الشاسع بين القول والفعل ، بين الخيال والواقع بين المواطن والدولة بين ما يسمى المعارضة وما يسمى النظام ، وبالتالي لم تعد تعني لهذا المواطن البائس شيئا أكثر من مجرد استمرار الأزمات المزمنة التي لا يعرف هذا البلد لها انفراجا حتى تعود اشد ضراوة واتقادا .

سمات المرحلة الراهنة على المستوى الإقليمي :

تكمن أهمية البحث في تحديد سمات المرحلة الراهن في كوننا بدون هذا التحديد لن تستطيع استشراف ما ستؤدي إليه تطورات الأوضاع الراهنة سواء على المستوى الإقليمي بشكل عام أو على المستوى الوطني بكل خاص.

وإذا دخل بشكل مباشر إلى الحديث عن أهم سمات المرحلة العربية الراهنة بشكل عام وموجز نستطيع القول أن هذه المنطقة من العالم تشهد موجة كبيرة من الاحتجات والتغيرات المتسارعة والتي تزيد حدة يوما بعد يوم ، وهذه التغيرات تأخذ مسارات ومظاهر عديدة ومن المؤكد لدى الكثير من الباحثين والمراقبين أنها ستؤثر بالمجمل على كل دول المنطقة بشكل مباشر ( عدوى الثورات على النظم) أو بشكل غير مباشر من خلال طبيعة العلاقة بين الجديد والقديم .

وإذا انطلقنا من حقيقة أن الأنظمة العربية سواء منها الحاكمة والمسيطرة إلى الآن أو التي تمكنت شعوبها من اقتلاعها تحت ضغط الجماهير مؤخرا تتشابه ودون استثناء من حيث طبيعتها التسلطية والقمعية والديكتاتورية، فإننا سوف نرجح أنها جميعا تنتظر نفس النهايات التي خبرتها الشقيقات في تونس ومصر وهما الأكثر تمثلا لكل تلك الصفات السابقة .

نستطيع أيضا أن نؤكد بأن الكثير من الإعتبارات الداخلية والخارجية المرتبطة بعدد من العوامل الموضوعية مثل تغير النسيج الاجتماعي وظهور طبقات أوشرائح جديدة رافضة للتغييب ومصرة على حقها في الاطلاع بدورها في تدبير الشأن العام وانتشار التعليم وزيادة الوعي، وفضلا عن كل ذلك ما نشهده من طفرة إعلامية غير مسبوقة في مجال الاتصالات والمواصلات والتواصل العالمي الحقيقي والافتراضي والتي تتجاوز بسهولة كل المعيقات والحدود ، ناهيك عن تزايد الطلب الشعبي على النظام الديمقراطي وعلى تفعيل نظم الحكم الرشيد وتكريس احترام حقوق الانسان وحرياته ، كلها إذن عوامل موضوعية تدفع بسرعة هذه النظم إلى الاختفاء القسري كليا وفي أدنى الاحتمالات إلى تغيير طبيعتها تلك إن أمكنها ذلك.

السمات الوطنية للمرحلة الراهنة

أما على المستوى الوطني فإن سمات بارزة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية للوضع العام للبلد ما زالت تطفو على السطح ، فعلى الصعيد الاقتصادي مازال وضع الاقتصاد الوطني يعكس الكثير من مكامن الضعف والتخلف و من القصور والعجز غالبا حتى عن مجرد الاستجابة الذاتية للاحتياجات الأساسية لمعظم الناس، ولا تزال أغلبية ساحقة من مواطني هذا البلد تعيش تحت كل الخطوط الحمراء للفقر وتعاني الحرمان والعوز وفقدان القدرة على تدبير مآربها الأساسية والملحة ، وقد ضاعف من هذا العجز الاعتماد المبكر للاقتصاد الوطني منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي على الوصفات الجاهزة المقدمة تحت شروط المؤسسات المالية الدولية، - وفي ظل غياب تقاليد نظام حكم ديمقراطي راسخ يفعل من دور الرقابة الشعبية ويجعل المجتمع قادرا على التحكم في مصيره وفي مقدراته العامة- كما زاد من قسوة هذا الوضع تخلي الدولة قسرا عن دورها الاجتماعي كضامن أول لفرص الحياة لكل مواطنيها ، بل وجعلها ذلك في موقع المتواطئ مع مافيات رأسمال المال الخصوصي بشقيه الأجنبي والوطني ، مما أدى إلى الإجهاز الكلي على مقدرات الاقتصاد الوطني وبالتالي إلى تضاءل كبير في فرص التنمية وانتشار الفقر والبطالة في صفوف الشباب واستفحال ظواهر الفساد المالي والإداري بسبب غياب الشفافية في تدبير بنيات وهيئات ومؤسسات الاقتصاد الوطني في البلاد .

وقد أنعكس ذلك على وضع النسيج الاجتماعي الوطني مظهرا بوضوح عجز الدولة الموريتانية إلى الآن عن صهر جميع مكونات شعبها في لحمة واحدة ونسيج وطني مترابط ومنسجم، يقوم على احترام حقوق المواطنة الصادقة والصحيحة وعلى تقديس واجباتها. إن هذا الوضع المفكك للنسيج الاجتماعي هو ما جعلنا نشاهد من حين لآخر وعبر حقب مختلفة مظاهر الانقسام والتفكك ونسمع دعاوى غير مسبوقة إلى المحاصصة الفئوية والعنصرية والانفصال والتمزيق والتشطير، لهذا الكيان غير الراسخ المتسم بالهشاشة وضعف الانتماء، بل وبغياب الولاء للدولة لدى الكثير من شرائحه وفيئاته وقبائله .

وهذا يدل بشكل قاطع على أن الدولة الوطنية الموريتانية- ورغم مضي هذه الفترة الطويلة نسبيا على قيامها- قد فشلت فشلا ذريعا في صهر المجتمع الموريتاني بكل مكوناته في إطارها العام ولم تستطع إلى الآن أن ترسخ مشروعيتها حتى تكون بديلا حقيقيا لولاءات معظمنا الضيقة ، دولة تكون أكثر إقناعا وإنصافا لكل مواطنيه .

كما أنها على الصعيد الثقافي ما زالت تعاني التذبذب والاضطراب في خياراتها التربوية، وتنتقل دون هدى من نظام تربوي إلى آخر سعيا للتكيف مع مشكلات الاختراق الفرانكفوني ، الذي تفاقم وتعاظم دوره خلال الخمسين سنة الماضية، بسبب التبعية الثقافية والاقتصادية، وهكذا بفعل هذه التبعية المقيتة يتم إلى الآن العمل على تعطيل ترسيم اللغة الرسمية والدستورية للبلاد أي العربية ، وعدم التمكن من تفعيل اللغات الوطنية الأخرى بما يجعلها أداة للتواصل والتثاقف بين مختلف مكونات الشعب الموريتاني. وذلك بالرغم من أن الإبتعاد عن تفعيل دور اللغات الوطنية ، والاستمرار في جعل اللغة الفرنسية لغة للتعلم والعمل والإدارة والاقتصاد يفقد أبناء شعبنا قدرتهم على التواصل مع جذورهم الثقافية والحضارية، ويجعلهم أكثر عجزا عن الإبداع والنهوض وأكثر عرضة للاستلاب الحضاري لهويتهم ولثوابتهم الدينية والحضارية.

أما على المستوى السياسي ، فإن السمة الأبرز هي حالة عدم الإستقرار السياسي المنطبع بكثرة الانقلابات وبالخصام الدائم بين النظام والمعارضة وعدم التمكن إلى الآن من رسم طريق صحيح للخروج من هذه الحالة المزمنة من التأزم ، والتي يمكن اعتبار استمرارها دون انقطاع أو تخفيف سمة بارزة للنظام السياسي الموريتاني ، منذ 1978 وإلى يومنا هذا ، بل لعل نظام الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز لا يشكل استثناء في هذا الصدد، إلا من حيث ذلك المسعى الدولي والإقليمي اللافت لوجود أرضية مشتركة بين النظام الحالي ومعارضيه من خلال ما عرف باتفاق داكار ، والذي سرعان ما توقف مفعوله عند حدود تنظيم الانتخابات الرئاسية الأخيرة . ليعود الوضع السياسي إلى ما كان عليه من رفض متبادل للواقع ، حيث معارضة لا ترى من النظام سوى ما هو محل للرفض ونظام لا يرى فيها سوى مجموعة من مثير الشغب .

وهكذا بقي المواطن حائرا في ظل وضع وطني عام مليء بالتعقيد والخيبات يتملس طريقا للخروج من هذه الأزمة دون هدى ، والحقيقة أن انعدام الجو الديمقراطي وعدم وجود ثقافة ديمقراطية تسمح للأطراف بالتعبير عن مواقفهم وأفكارهم دون مصادرة أو احتكار للحقيقة من هذا الطرف أو ذاك ، وغياب الرغبة في فهم الآخر أو محاورته ، هو ما جعل الوضع السياسي بين النظام والمعارضة يبدو على هذا المستوى الغريب من التعقييد والالتباس الذي يصعب معه الوصول إلى فهم مشترك ومتبادل للأمور، كل الأمور المطروحة والعالقة ، فلا تحديد متفق عليه للأولويات في هذه المرحلة ، كما أن تبادل الأحقاد والمخاوف يبدو السمة الغالبة للطرفين ، وهذا بدوره جعل من الصعوبة بمكان طرح الأسئلة الصحيحة بما فيها أسئلة اللحظة ، حيث تختلط أحيانا الايجابيات وتتناقض أحيانا أخرى ، فلو سألت الآن أي طرف على سبيل المثال عن تصوره لكيفية الحل والمخرج المناسب من هذا الواقع المأزوم لأجابك دون تردد بالحوار ، ولكن حين تتجاوز إلى سؤال آخر مثل ما هي مسلمات هذا الحوار ، فستختلف الإيجابات ، ويقينا سيتشعب الخلاف لو سألت أكثر عن أي مناخ وبأية شروط يجب أن يجرى هذا الحوار ، ثم من هم أطرافه ؟ وما هي أهدافه ؟ .

ومع أنه يجب أن تكون مسلمات الحوار الديمقراطي ثابتة ومعروفة وليست مثار خلاف ، إذ لا خلاف أولا : على ضرورة الاعتراف المتبادل بين المتحاورين ، الاعتراف الفعلي وليس الشكلي ، وثانيا: على أن أيا من المتحاورين لا يمتلك الحقيقة كاملة ، فهي نسبية وقابلة للتوزيع ، والحقيقة الفعلية هي التي تكون محصلة التفاهم بين الطرفين ، وثالثا : على أن الحوار لا يكون في ظل عدم التكافء والاحترام المتبادل والرغبة المشتركة فيما يوصل إليه من نتائج . ( المدخل التوافقي للديمقراطية ) . أقول مع كل ذلك فحتى مثل هذه المسلمات لا تدخل اليوم في منطق المسلم به حول آليات الحوار لدينا . ناهيك عن اطراف هذا الحوار وأهدافه ، حيث يقودنا ذلك إلى تعقيدات لا حدود لها .

تحديات مستقبلية :

لا شك أننا جميعا نتطلع الفترة القادمة إلى أن نرى بلدنا وقد انتقل من وهدة التخلف إلى بحبوحة التنمية وترسيخ الديمقراطية الاستقرار، وأصبحت وحدته الوطنية وثوابتها الحضارية أكثر رسوخا وتجذرا ، خصوصا أن ما يصدر اليوم من تصريحات وبيانات ومواقف عن بعض النخب السياسية في البلاد يعكس بجلاء حجم الاختلاف حول ما يجب أن يكون ثوابت وطنية، كما ينذر بمخاطر جمة على مستقبل وحدتنا الوطنية ، ولعل هذا ما يدعو أكثر من أي وقت مضى إلى أن نجعل من أولوياتنا في هذه المرحلة ضرورة الدخول فورا في حوار وطني جاد وشامل لا يستثني أحدا مهما كان حجمه ومهما كان حجم الاختلاف مع رأيه ، حوار يقوم على التحديد الواضح لعدد من الأهداف والمفاهيم والرؤى التي ورغم بداهتها ما زلنا نختلف عليها من النقيض إلى النقيض .

- فلا زال موضوع الهوية الوطنية الجامعة لهذا البلد يثير الكثير من اللبس ، ويفرقنا شيعا وطوائف ويحول دون تفعيل بعض البنود الدستورية .

- موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان من حيث القواعد الكلية الضابطة وأساليب الممارسة الصحيحة .

- موضوع سيادة القانون واستقلال القضاء والفصل بين السلطات

- موضوع الخلط بين نظام الحكم وبين الوطن من جهة وبين سياسات الحاكم والحكومة وبين المصالح العليا للوطن .

إن هذا الحوار الضروري يجب أن يقوم على قاعدة احترام الكل للكل فلم يعد مقبولا أن يستمر النظام في سياسة تجاهله للمعارضة ورفض كل ما يأتي من طرفها سلبا أو إيجابا واتهامها بممارسة الإثارة فقط ، فهذا التجاهل لن يفضي إلا إلى المزيد من التأزيم وإلى مواجهات وصدامات أوسع وأعنف ، كما أنه لن يؤدي إلا إلى ذهاب البعض بعيدا في النفخ في شراع العصف بكل شيء . فمن لا حظ له في دولة تمنى زوالها كما يقال .

كما أنه لم يعد مستساغا للمعارضة هذا الاستمرار في رفض الواقع ، فبعض الخصومات مع النظام قد يصيب الوطن في مقتل ، ولهذا فلا بد من التمييز بين الخلاف معه وبين أهمية بقاء الوطن آمنا مستقرا وديمقراطيا ، فاستمرار التدهور في العلاقات بين النظام من جهة والمعارضة من جهة أخرى قد قاد إلى ما نشهد اليوم من هبوط وابتذال أحيانا في قاموس الخطاب السياسي الوطني ، كما أنه يقود إلى فقدان التوازن الوطني وضياع الرؤية التاريخية والسياسية الصحيحة لكل أوضاعنا العامة .

بقي أن أشير إلى أن بناء الذات الوطنية لهذا البلد العزيز علينا جميعا لا يتم يقينا في ظل غياب الشعور لدى البعض بالولاء والانتماء لوطن واحد لكل أبنائه ، فالدولة التي تكرس الغبن وتفاوت الفرص والحظوظ بين مواطنيها ، تخلق بالضرورة الإحساس بالحرمان وبعدم المساواة الوطنية لدى الكثيرين منهم . ولهذا فإن دولة المواطنة القائمة على المساواة بين الجميع والتي ترفض أي شكل من أشكال التمييز بين مواطنينها ، على أساس الجنس أو اللون أو العنصر أو اللغة أو المركز الاجتماعي أو أي أساس آخر ، هي الدولة القادرة أكثر على تحقيق الانسجام بين مكونات شعبها مهما تعددت وعلى تحقيق ما تصبو إليه من أهداف .

أما بأية وسائل نحقق أهداف الكبرى وكيف؟ ، فذلك ما اعتقد أن تلاقي الإرادات الصادقة والواعية بكل المخاطر التي تتهدد بلادنا كفيل به ، غير أننا مع ذلك لا يجب أن نقلل من حجم العقبات التي تقف في وجه تحقيقه ، فالتوظيف السياسي للمشكلات العالقة وطغيان النزعات التفردية والاستئثارية بتدبير الِشأن العام بعيدا عن أي شكل من أشكال المشاركة السياسية في الحياة العامة ، ناهيك عن خطاب التقليل والتهوين من المخاطر التي تتهدد البلد والتي في مقدمتها يقينا مخاطر عدم الاندماج الاجتماعي والإرهاب والجريمة المنظمة والاختلالات الديمغرافية بفعل الهجرة والتجنيس غير القانوني . كلها أمور ما زالت تهدد مستقبل كيان الوطن الموريتاني الواحد وتجعله أكثر عرضة لمخاطر التمزق والاندثار لا قدر الله .