Get Adobe Flash player

444محمد المهدي ولد محمد البشير

 

عندما يتخلى مفكر ما عن صرامة المنهج العلمي، واسلوب التفكير المنطقي، في فهم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفكيك الظواهر التاريخية المعقدة، وينسلخ من أخلاق المفكرين في التعامل مع خصومه السياسيين، ولا يكتفي باعتماد منطق الخيال الشعري أداة للتفكير فحسب،

بل إنه يوظف لغة الشعراء واساليبهم وحتى مقولاتهم لهجاء خصومه بما يتورع عنه السوقة من رعاع الناس دون احترام لحرية الآخرين في التفكير وحقهم في الاختلاف معه في الأفكار والمواقف السياسية، فإنه يكون مجرد شاعر ينافح عن مجد القبيلة حمية، لا مفكرا يمارس أرقى وظيفة عرفها الإنسان في تاريخه

 

وعندما يحيد مفكر عن مقتضى العدل في التعامل مع الآراء والمذاهب والأشخاص كما أرشد إلى ذلك القرآن الكريم "يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" ، ويلغ في أعراض الناس، فإنه يكون بذلك قد ارتد عن وظيفة التكفير اختيارا أو عجز عن توظيف أدوات التفكير العلمي والتقيد بأخلاق المفكرين كما يرتد الناس عن أديانهم، ويغيروا جنسياتهم، والتحق بركب الشعراء الذين لا يقيدهم عقل أو يحكمهم منطق إلا ما توسوس لهم به أنفسهم.

وعندما يمارس مفكر مسلم في القرن 21 وظيفة رجال الكنيسة في القرون الوسطى فيوظف الدين في صراعاته السياسية ويصدر صكوك الحرمان لخصومه من أهل الفكر، ويرسلهم إلى الجحيم ويتألى على الله أن يدخلهم النار يوم القيامة، ثم يعطي صكوك غفران لشيعته من القتلة، كما لو كان إله هذا المفكر إلها عنصريا جاهلا منحازا كإله اليهود الذي يصوره سفر التكوين .. فإنه بذلك يكون قد ارتد عن وظيفة التفكير وتحول إلى قس دجال يتاجر بالدين.

عندما يقع مفكر اسيرا لسيكولوجية القطيع، وتكون آراؤه ومواقفه جزءا من أزمة الامة، لا علاجا لدائها ويفضل القتلة على العلماء ولو كانوا ملحدين فعليه أن يستقيل من وظيفة التفكير ويتفرغ لقرض الشعر والمدح والهجاء .... لأن التفكير ليس لقبا يحمله الشخص أو يمنح له بل هي وظيفة يقوم بها، وقد ورد في القرآن الكريم " ولتعرفنهم في لحن القول "" وورد في سفر متى " من ثمارهم تعرفونهم"

أكتب هذه الأحرف دفاعا عن الشيخ العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي مع اختلافي الشديد معه إلا أنني احترم رايه وحقه في الاجتهاد.